حيدر حب الله
203
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر
لكنّ الصحيح أنه لا يمكن ممارسة هذه القطيعة مع الفقه ؛ لأنّ العلوم الطبيعيّة شهدت هذه القطيعة مع تطوّرها وتقدّم تقنياتها ومعاييرها ، مضافاً لاتساع مساحة الوضوح فيها ، الأمر الذي جعل الحقب التاريخية الماضية بمثابة أمر منفصل عن واقعها ، بحيث صار درسها درساً تاريخياً محضاً ، لا معنى لإقحامه في رصد هوية هذا العلم اليوم على ما يقال . أما في بعض العلوم الإنسانية الأخرى ، فمن الصعب توفّر هذه المعطيات ، مثل علم التاريخ والفلسفة إلى حدّ معين وعلم الفقه والأصول والأديان عموماً ، فإنّ الهوية التاريخية ومنطق الصيرورة هما الحاكمان على معطيات هذه العلوم إلى يومنا هذا . فلو أخذنا الفقه أنموذجاً لوجدنا كم لمقولاتٍ مثل الإجماع والشهرة والسلف والمتقدّمين وعصر النصّ والسيرة المتشرعية وعمل أهل المدينة ونحو ذلك . . كم لها من دور متواصل في صياغة وعي الفقه المعاصر بقضايا الشريعة ، فهناك حلقة وصل ما تزال قائمة باستحكام بالتراث الفقهي والروائي ، ونحن وإن أمكننا رصد حقبةٍ ما كالفترة المعاصرة ، إلا أنه لا يمكننا أن نحذف على الإطلاق من موضوع علم فلسفة الفقه كلّ مرحلة أخرى ، فالفقه - من جهةٍ ما - علمٌ تاريخي بامتياز ، كيف والنصّ الديني الذي يدرسه الفقيه هو كيانٌ تاريخي بامتياز . وعليه ، فموضوع فلسفة الفقه هو الفقه بوصفه فهوماً بشرية ولو مختلفة فيما بينها - أعم من الاستدلالية وغيرها - في مساره المتصل منذ نزول الوحي وإلى يومنا هذا . 3 - ضرورة فلسفة الفقه ، أو خدمات فلسفة الفقه للفقه نفسه يذهب الفريق المناصر لتكوين فلسفة الفقه إلى اعتباره علماً ضرورياً تحتاج إليه